ابن تيمية
58
مجموعة الفتاوى
وَاَلَّذِي سَعَى فِيهِ حِزْبُ الشَّيْطَانِ لَمْ يَكُنْ مُخَالَفَةً لِشَرْعِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ بَلْ مُخَالَفَةً لِدِينِ جَمِيعِ الْمُرْسَلِينَ : إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَالْمَسِيحِ وَمُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ . وَكَانُوا قَدْ سَعَوْا فِي أَنْ لَا يَظْهَرَ مِنْ جِهَةِ حِزْبِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ خِطَابٌ وَلَا كِتَابٌ وَجَزِعُوا مِنْ ظُهُورِ الإخنائية فَاسْتَعْمَلَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى . حَتَّى أَظْهَرُوا أَضْعَافَ ذَلِكَ وَأَعْظَمَ وَأَلْزَمَهُمْ بِتَفْتِيشِهِ وَمُطَالَعَتِهِ وَمَقْصُودُهُمْ إظْهَارُ عُيُوبِهِ وَمَا يَحْتَجُّونَ بِهِ فَلَمْ يَجِدُوا فِيهِ إلَّا مَا هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ وَظَهَرَ لَهُمْ جَهْلُهُمْ وَكَذِبُهُمْ وَعَجْزُهُمْ وَشَاعَ هَذَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُمْكِنْهُمْ أَنْ يُظْهِرُوا عَلَيْنَا فِيهِ عَيْباً فِي الشَّرْعِ وَالدِّينِ بَلْ غَايَةُ مَا عِنْدَهُمْ : أَنَّهُ خُولِفَ مَرْسُومُ بَعْضِ الْمَخْلُوقِينَ وَالْمَخْلُوقُ كَائِناً مَنْ كَانَ إذَا خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ لَمْ يَجِبْ بَلْ وَلَا يَجُوزُ طَاعَتُهُ فِي مُخَالَفَةِ أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ . وَقَوْلُ الْقَائِلِ : إنَّهُ يُظْهِرُ الْبِدَعَ كَلَامٌ يَظْهَرُ فَسَادُهُ لِكُلِّ مُسْتَبْصِرٍ وَيَعْلَمُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْعَكْسِ فَإِنَّ الَّذِي يُظْهِرُ الْبِدْعَةَ إمَّا أَنْ يَكُونَ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِسُنَّةِ الرَّسُولِ أَوْ لِكَوْنِهِ لَهُ غَرَضٌ وَهَوَى يُخَالِفُ ذَلِكَ ؛ وَهُوَ أَوْلَى بِالْجَهْلِ بِسُنَّةِ الرَّسُولِ وَاتِّبَاعِ هَوَاهُمْ بِغَيْرِ هُدًى مِن اللَّهِ { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ } مِمَّنْ هُوَ أَعْلَمُ بِسُنَّةِ الرَّسُولِ مِنْهُمْ وَأَبْعَدُ عَنْ الْهَوَى وَالْغَرَضِ فِي مُخَالَفَتِهَا { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى